أبحث عن وطن

 منذ ولدت وقبل أن أدرك أينَ أنا، وجدتُ نفسي أختبأ من القذائف وشظاياها، أرتجف رعباً من أصوات الطائرات والمدافع، أترك منزلي، ألعابي، إلى مكان ليس لي

وأنا أكبر، قيل لي أن هذا هو وطني، بلدي ومنزلي حيث أنتمي…وأن هذه الحروب تمرّ على كل الناس والأوطان فيجب أن أستمر بالكفاح ويجب أن أحبه وأعشقه وأموت من أجله وأن السلام سيحلّ يوماً….

كبرتُ قليلاً فإذا بالإخوة يتقاتلون، الأب قتل ابنه تشردت العائلات وها أنا أترك مدرستي ومنزلي وأهرب مجدداً إلى مكان “آمن” وقيل لي مجدداً أن الحروب تحصل….

كبرتُ أكثر فإذا بدولةٍ “شقيقة” تحكم بلدي، مخابراتها ترهب أبنائه، تتجسس على شبابه، تخطفهم تقمعهم تعذبهم جسدياً ونفسياً، تقتلهم! تسيطر على مؤسساته وخيراته بالإتفاق والتراضي مع الحكام والمسؤولين فيه…..وقد قالوا لي “هيك أحسن تا ما نقَتّل بعضنا”.

أمن وأمان…لكن لا حرية بل قمع وخبث واحتكار “واشكروا ربكن!”

فجأة تغيرت المعادلات والحلفاء قُتل الحريري! فجرّوا بيروت فجّروا الوطن…وقتلوا من قتلوا ويتّموا من يتّموا…وبدأنا مرحلة جديدة ظننتُ لفترةٍ أنها مخاض ما قبل الولادة ولكن لم يطول الأمر قبل أن يخيب ظني

تريدون الحرية؟ إذاً لا أمن ولا امان! ها نحن من جديد نستفيق على عبوة وننام على انفجار…ننام وقد لا نستفيق إن صودف الإنفجار في مبنانا أو حيّنا…نخرج من منزلنا وقد لا نعود إليه….

ناس مع سوريا وناس ضد وكل ما يتواجهوا على البلد السلام!

إغتيالات، موت سواد ودمار، أيتام  وبكاء على الأحبة، حداد!!

ولكني ظننتُ أن هذا الكابوس انتهى! ظننتُ أن الدول تعاني حروباً تعيش ثورات ثم تستقل وتعيش بسلام

ظننتُ وكنتُ مخطئة!

أقنعوني بأن هذا وطني ولكن هذا ليس بوطن!

هذه مجموعات  يتبعُ كل منها جهة خارجية  أو عقيدة أو طائفة حتى الموت…

هذه زمرٌ وجدت في بقعة أرضٍ تجهل تماماً ما معنى أن يكون الإنسان مواطناً قبل أي شيء آخر يعيش تحت جناح بلدٍ واحد ونظام واحد

هذه طوائف، أحزاب، عقائد….تتجوّل تحت سقف واحد وتنتظر إشارة من أسيادها كي تهجم وتنهش لحم بعضها البعض

هذه عصابات عصبت أعينها عن “الوطن” و”المواطنية” وفتحتها فقط على انتماءاتها الطائفية ثم العقائدية ثم الحزبية ثم العشائرية…وإن بقي شيء نقدمه للوطن.

القادة ليسوا بحكام، بل دمى تحركها جهات خارجية كل على هواه وحسب مصالحه

حين تصل الأوامر، يتأجج الوضع مهما كان هادئاً أو يهدأ مهما كان متأججاً

فجأة وكلّما جرحت مشاعر أحد أو قُتل أحد أو تعثر أحد أو “راحت الكهرباء” أو “ارتفعت الأسعار”…..نجد مسلحين وملثمين…رصاص وقناصين، حرق دواليب، قطع طرقات، إعتداءات على الناس والممتلكات….

وكل كم سنة في حدا بيقوى وبفكّر حالو هتلر وبيصير بدّو البلد!

أين “الوطن” في كل هذا؟

لقد انقضى نصف عمري وانا لا زلتُ أهرب من القصف والقنص وقطع الطرقات والإشتباكات….لا زلتُ أخشى على أحبائي وأصدقائي “منطقة آمنة ومنطقة ولعانة حسب شو طايفتَك” ولكنني ظننت أن هذا البلد كله بلدي ومواطنيه هم إخواني وأصدقائي…وأن الدين هو لله بينما الوطن للجميع.

لقد ظننتُ!

ظننتُ ولكني حتى الآن لا زلت أبحث عن وطنٍ قرأت عنه ودرست عنه…وطن يعيش فيه مواطنيه بأمان تحت ظل دولة واحدة والكل متساوين في الحقوق والواجبات، القوانين تطبّق والجميع تحت سقف القانون، وحدود حرية الفرد هي حرية الآخرين….

أين هو هذا الوطن؟

هل هو الملثمين؟ أم الغاضبين؟ أم القناصين والمسلحين؟

هل هو استمرار موت الأطفال والنساء في منازلهم وعلى الطرقات؟

هل هو استمرار هدم وتكسير وتفجير الممتلكات وحرق الدواليب وقطع الطرقات؟

هل هو استمرار السلاح العشوائي؟

هل هو استمرار الإغتيالات والتصفيات؟

هل هو تفشي الحقد الأعمى ومرض الطائفية العضال؟

هل هو استمرار قتل الناس لبعضهم البعض بإسم الدين والإختلاف السياسي؟

هل هذا الوطن الذي أخبرتموني أنه وطني؟

ما نسيتم أن تخبروني به وأنا طفلة، هو أنني ولدت في المكان الخطأ

ولدت في بلدٍ جُمعت أجزاؤه بطريقة مبعثرة وخاطئة

استعملت في بنائه دعائم ضعيفة وأساسات خاطئة هندسياً فكرياً وإنسانياً

كيف تُصلحوا ما بني على أساس خاطئ؟ أي ترميمٍ أو دهان أو ديكور أو أثاث أو لوحات سوف تفي بالغرض؟

لقد نسيتم أن تخبروني بذلك وتركتموني أظن أن هذا “وطناً”…. تركتموني أظن أن هذا “وطني”

هذه قنبلة موقوتة لا نعرف متى تنفجر

هذا أمان زائف مدجج بالحقد والسلاح، بالطائفية والتبعية

هذا دمار وقتل بإسم الله والأحزاب

هذا تشويه وجهل وقرف وتعصب أعمى

هذا كابوس لن ينتهي

هذه حلقة مفرغة يدور فيها الجميع ولا تتغير فيها سوى الوجوه والأسماء

الآن أنا أعرف كل هذا

الآن أنا أعرف الحقيقة

وها أنا أبحث عن وطن!

Written in 2012 and published twice in Nahar Ashabab on December 3rd and 19th 2012

Image

Advertisements

Categories: Political

6 Comments »

  1. Very often I do not comment on posts that I think are good; partly because I do not feel at the time I have suitable words to adequately express my feelings. Sometimes in a blog there are too many good quality posts to comment on, so where to start and where to stop?

    This post is the type that I categorise as: the measure of the depth of quality is in how many times I read a post.

    This post goes beyond that, I read it twice, then pasted it into a Word document so I can easily read it again. To give my opinion or describe the feelings that such a piece conjures up within me is not easy, but I think you will gather how impressed I am.

    • Oh wow! These are incredible words for a post I thought no one could understand!
      I’m really humbled by your words! Yes I really got your appreciation as deep as you’re describing it!
      These words I wrote are coming from an aching heart reason why they’re so authentic and since Arabic is my first language, I believe I’m way better than English
      You used google translate?
      Please let me know if you wish me to provide English translation for more accuracy
      Thank you again 🙏🏻

      • Sorry for the delay in responding.

        I often use Google Translate; sometimes it is not so good, but in this case it seems to be alright. Occasionally I use MS Word translator, but usually that is to translate a message I am sending.

        A translation from you would be appreciated. It would also be interesting to compare it to the version I have.

      • Don’t worry 🙂 yes because it’s Classical Arabic not Lebanese, some sentences can be accurate
        Never tried MS word with a big text, I will work on it tomorrow and sent it to you or post it
        Thank you for your encouragement 🙏🏻

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.