سخّفتم حتى أحلامنا


نستفيق أحياناً من منتصف نومنا من جرّاء حلم مزعج أو إحساس بأننا نهوي أو نقع….ثم ننام مجدداً. أمرٌ طبيعي يحصل مع معظم الناس.

إنّما يصبح الأمر غير طبيعي حين يحصل مراراٌ وتكراراً حتى يتحوّل كابوساً ينغّص حياتنا، وهذا ما يحصل لنا في بلدنا لبنان.

خضّات وكوابيس يومية تهزّ كياننا! لا راحة ولا بوادر مبشرة بالخير أو بغدٍ أفضل..

منذ أن بدأت بسن التمييز وأنا أعرف أنه لدينا مشكلة كهرباء ومياه وسير وبطالة وأمن و..و..و…وكانوا يقولون دوماً “إيه ما نحنا بلد طالع من الحرب“..

نحن الآن في عام 2010 انتهت الحرب منذ زمن ولا زال البلد غارقاً في الظلمة لا بل بصورةٍ أسوء بكثير من أيّام الحرب وانهمار القذائف على رؤوسنا! لا كهرباء و لا ماء في خلال صيفٍ حار تتجاوز فيه درجة الحرارة الأربعين في سابقةٍ لم تتكرر منذ عشرات السنين، في شهرٍ يصوم فيه فئة من اللبنانيين يعيشون كالسجناء في علبٍ حارة لا يجدون الماء البارد حتى! وفي زمنٍ يكاد فيه المواطن لا  يجد ثمن رغيف، هو مضطر إلى رمي هذا الرغيف ورمي طعامه الذي يحتاجه بسبب عدم توفر الكهرباء. لا ماء كي يغتسل في طقسٍ حار ومميت وهو في بلد المياه والأنهار! لا يستطيع النوم فيضطر أن يترك منزله إلى منزل قريب ،إن وجد، صودف أن لديه اشتراكاً في المولد الكهربائي، هذا المولد الذي يضيئ جزء من المنزل والمروحة وربما التلفزيون فقط “بس أحسن من بلاش“.

هل نحن في حرب ال 14؟ أم الحرب العالمية؟ كلا نحن في لبنان! لا يهم في أي عام أنتَ فهذه القصة لن تنتهي أبداً! كما في القرون الماضية وحتى الآن يقتصر حلم اللبناني على رغيفٍ يقتات به وضوء ينير منزله وبراد يدور “كي لا يُرمى الطعام” ومروحة صغيرة أو وسيلة تدفئة كي لا يموت من الحر أو من القرّ!

سخّفتم وتسخفون أحلامنا!

أنا أتعاطف مع الناس التي أحرقت وتحرق الدواليب من حرقة قلبها وجوعها ومعاناتها مع إني لا أوافقكم الرأي بحرق الدواليب وزيادة “الطين بلة” مع هذا الحر والقرف. ما يجب أن تفعلوه هو أن تثوروا جميعاً في كافة المناطق اللبنانية أياً كان انتماؤكم أن تنزلوا إلى الشوارع أن تعتكفوا عن كل شيء حتى يسقط الدجالون الذين يحكموننا وإن اقتضى الأمر اسقاطهم بالقوة فلما لا!

بعد الجوع والماء والكهرباء، يأتي السير والطرقات.

نسير على طرقات لا تشبه الطرقات…حُفرٌ في منتصف الأوتوسترادات، ظلمة حالكة كي تختبر نظركَ في الظلام! طرقات في حالة ورشة دائمة “اليوم في طريق، بكرا ما في!”. عنصر المفاجأة هو ما تعشقه حكومتنا لا فرق إن كانت الحرب قائمة أو كناّ في زمن السلم. حين تركب سيارتك فأنتَ بمثابة من يودّع أهله ذاهباً إلى الحرب لأنك قد تعود وقد لا تعود! باتت سياراتنا توابيت متنقلة في بلدٍ أقل ما يقال عن طرقاته والسير فيه: “مزرعة لا قانون ولا أمان فيها“!

عذراً منكَ يا وزير الداخلية ولكن القانون الذي تسعى جاهداً لتطبيقه، لا يطبّق! الناس تموت يومياً على الطرقات ومعظم الأوقات من أخطاء وحماقات سواها! تحترق أعصابهم، يعانون، يتعرضون لحوادث قد لا تكون مميتة ولكنها مهينة ومؤلمة. أي قانون سيرٍ تنوي تطبيقه؟ هل ترى كيف يقود اللبنانيين؟ هل ترى الشاحنات التي تسير على  يسار الأوتوستراد وعبثاً تحاول أن تجعلهم يفتحون لكَ الطريق كي تمر؟ ومثلهم من “يكزدر” مع صديقته أيضاً وحين تنذره بالإشارة أو الزمور كي يفسح الطريق، يتجاهلك أم يمد يده كي يقول لك “شو باك! إيه روح بلّط البحر!”

هل ترى الأذكياء الذين يرمونكَ على جانب الطريق بال “بيتووين” الذين يبرعون به طبعاً! من دون تقدير العواقب؟ مع ذكر الأشخاص الذين قتلوا مؤخراً بسبب الشباب الذكي الذي لم يحاسب على جريمته ومنهم ليليان عطاالله رحمها الله، ذنبها الوحيد أنها ركبت سيارتها متوجهة إلى عملها وهو ذنبٌ كبير في هذا البلد!

هذا بلد أو مزرعة؟ أنتَ أجبني وقل لي أي قانون تطبق؟ إن كنتَ تنتظر من بعض الناس أن تستجيب بالتمني فأنتَ على خطأ! لذلك وجدت العقوبات والتشدّد في تطبيقها والمحاسبة من دون محسوبيات وليس أن يبادر المخالف بالإجابة:”مش عارف حالك مع مين عم تحكي!” تباً لقانونٍ لا يطبق إلاّ على الفقراء ومن لا نفوذ ومال لديه!.

وحتى ينسى اللبناني أيضاً هموم معيشته المذلة، لا يمر النهار دون اشتباكات مسلحة. ينسى المصيبة بمصيبة أكبر! إنه مجرد إشكال فردي بسيط على خلفية ركن إحدى السيارات استخدمت فيه الأسلحة الرشاشة وال ربي جي! إن كان هذا إشكال فردي فما هي الأسلحة التي تُستعمل في حالة الحرب؟ النووية؟؟؟

يا للمهزلة ويا للقرف! كلّما اختلف شخصان تتحوّل المنطقة إلى ساعة معركة وأرواح المواطنين وأملاكهم رهينة بأيديهم وتحت رحمتهم حتى تأتي الأوامر بأن يتدخل الجيش! وأي تدخل؟؟

كل شعوب ودول العالم مرت وتمر بحروب وأزمات تكون بمثابة المخاض لولادة جديدة وحياة كريمة إلاّ في بلدنا العزيز لبنان…المخاض مستمر، الولادة متعسرة و”الكل بيحبل وبيخلّف عنّا”. ننام على سلم نستفيق على حرب، نحمل السلاح على بعضنا إذا توتر الوضع في جزر الباهاماس! أقوياء فقط في قتل وإيذاء اخوتنا في الوطن…حقدٌ لا دواء له ونفوس مريضة بالطائفية والتبعية!

وماذا بعد؟ أي كلام يضاف بعد؟ لم نعد نجرأ حتى على الأحلام…لم يعد لنا القدرة على الأمل بغدٍ أفضل…ما الذي يميّزنا عن الحيوانات؟ ولا أقصد أن أهين أي إنسان وأي فردٍ على الإطلاق بل إني أصف واقعاً مزرياً يعيشه كل لبناني ولمن يدّعي العكس أو يعتبر كلامي هذا نظرة تشاؤمية ومبالغ فيها فليُجبني ويدحض أقوالي بوقائع أُخرى!

نحلم بأشياءٍ هي من أبسط حقوقنا: الماء والكهرباء والأمان والنظام والعيش بكرامة! نحلم بما يجب أن نحصل عليه من دولة تمتص دمّنا بالضرائب التي تحسمها….ولكننا لا نحصل إلا على الإهانة والموت.

سخّفتم وتسخفون أحلامنا!

لا يهمّكم أمر أمة بأكملها تعملون كي تزيدوا ثرواتكم والناس تموت من الجوع والحر والقرّ والفوضى…! أنتم تأكلون على جثثنا تعيشون على أكتافنا تنهشون لحمنا وتشردون شبابنا تدوسون علينا حتى تصلون تسرقون أموالنا تعبثون بوطننا وحياتنا وتقتلون أحلامنا!

أنتم عارٌ علينا سوف يخجل بكم التاريخ! نحن نخجل أن يقرأ أولادنا تاريخاً يذكر أسماءكم هذا التاريخ الذي سيُكتب على قياسكم وسيكون مدجّجاً بالأكاذيب والنفاق!

ونحن مذنبون بانتخابكم مذنبون بتصديقكم…. مذنبون… وندفع الثمن غالياً!

nWritten and Published in Nahar Ashabab in 2010

Categories: Political

2 Comments »

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.